Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player

    العدد 107-ك2-2017

 
 

 

النافذة المفتوحة

 

موروث فني

 

الموسيقى في العراق القديم

 

إعداد :  كوثر جاسم

 

خاص بـ "الموروث"

 

التواصل الحضاري بين الماضي والحاضر، يتضح على اشده في العراق في مجال الموسيقى . والموسيقى باعتبارها مظهرا مهما من مظاهر حضارة العراق القديم، .. هذا ما تحدث به الدكتور صبحي انور رشيد في كتابه (الموسيقى في العراق القديم)، متناولا باسهاب موضوعة الموسيقى وكل مايتعلق بها من حيث السلم الموسيقي، والمرأة والموسيقى، والرقص الموسيقي، والموسيقى العسكرية وغيرها، عارضين بعض من محتويات الكتاب وعلى لسان مؤلفه :

كان الباحثون في العالم مجمعين ـ حتى وقت قريب - على ان ماتوصل اليه الاغريق (اليونانيون) بخصوص الموسيقى النظرية اي علم اصول الموسيقى وقواعدها، هو اقدم ما توصل اليه الانسان، لذا فإن المعلومات المتعلقة بهذا الموضوع يجب ـ حسب رأيهم ـ ان تستقى من المصادر الاغريقية. هذا الرأي اصبح قديما ولايعول عليه ذلك بعد ان ترجمت النصوص المسمارية التي اظهرتها التنقيبات التي جرت في نفر قرب مدينة عفك الحالية وفي اور قرب الناصرية. هذه النصوص المسمارية قد قدمت الدليل القاطع على ان سكان العراق القدامى قد سبقوا الاغريق بما يزيد على الالف سنة في موضوع الموسيقى النظرية.

كما ذكر المؤلف أنّ من الثابت انه لاسبيل الى درس لغة من اللغات بغير درس احرفها الهجائية واجروميتها، والشيء نفسه ينطبق على الموسيقى ، حيث لاسبيل الى معرفة الموسيقى معرفة صحيحة الا بدرس سلمها الموسيقى ، فهو المدخل الى علم الموسيقى ومحوره لأنه لغتها واجروميتها وحروفها الهجائية. وبما ان كل امة لها لغتها الخاصة بها، فلها كذلك سلمها الموسيقي الخاص بها، تبني على اساسه موسيقاها وألحانها. وان كل امة من الامم تتخذ ترتيبا خاصا لسلمها الموسيقي تبعا للغتها ولهجتها واذواقها ووفقا لبيئتها واقليمها وبذلك اصبح لكل امة سلم خاص بها.

 

الموسيقى والفلك

كتب الملف أن الموسيقى في العراق القديم كانت متأثرة جدا بالدين والفلك. ومن المعروف والثابت علميا واثريا ان سكان العراق القدامى كانوا مشهورين في الفلك والرياضيات. والواقع ان العلاقة بين الموسيقى والفلك في العراق القديم تتجلى بكل وضوح في المساواة مابين الآلهة العراقية والكواكب وكذلك الارقام. فنرى مثلا ان سكان العراق القدامى قد خصصوا الرقم (60) لإله السماء وكبير الالهة المعروف باسم الاله (آنو) ورقمه هذا هو الرقم الكامل للطريقة الستينية في رياضيات العراق القديم. وخصصوا الرقم (50) لإله الهواء انليل والرقم (40) لاله الماء ايا والرقم (30) لاله القمر سين والرقم (20) لاله الشمس شمش والرقم (15) للالهة عشتار (فينوس) والرقم (10) للاله البابلي مردوخ. ان الارقام المذكورة وهي 60،50،40،30،20،15،10 هي ارقام فلكية لذلك كانت دينية واستعملت في الموسيقى.

 

الموسيقى والدين

وذكر الملف أنّ الدين عند سكان العراق القدامى ، كان له المكان الاول في الحياة اليومية، لذا فإن تأثيره في جميع نواحي واوجه حضارة العراق القديم – ومنها الموسيقى- كان واضحا جدا. لقد رافقت الموسيقى سكان بلاد مابين النهرين كما اثبتت لنا ذلك نتائج التنقيبات في اور قرب الناصرية قد اودعت مع العازفين والعازفات الذين دفنوا مع الملك وبقية افراد حاشيته ولكن خارج الغرفة المخصصة للملك او للاميرة. ولعل من اشهر هذه الالات الموسيقية التي ظلت راقدة في جوف الثرى مدة 4400 سنة داخل ظلام القبر الملكي، هي القيثارة الذهبية المعروضة في المتحف العراقي والقيثارة الفضية المعروضة في المتحف البريطاني في لندن. كان العراقيون القدامى يشاركون يوميا في تأدية وسماع الموسيقى والغناء وذلك عن طريق الطقوس والشعائر الدينية التي تقام في المعبد منذ استيقاظ الاله في الصباح ولغاية خلوده الى الراحة والنوم ليلا. كما كان للموسيقى دور كبير في مراسم دفن الموتى وفي الاعياد والمناسبات والاحتفالات الرسمية والمهرجانات الدينية التي كانت تقام في عموم البلاد. ان دور الموسيقي العبادة قد حدد بصورة دقيقة لدرجة انهم وضعوا دليلا او جدولا زمنيا لبيان نوع التراتيل والاغاني التي تؤدي وذكر اي وقت من النهار تقدم فيه كل ترتيلة واغنية.

 

التربية الموسيقية

أشار المؤلف الى عدم وجود اية دراسة في الوقت الحاضر تعالج موضوع التربية الموسيقية في العراق القديم في ضوء الشواهد الاثرية والنصوص الكتابية المسمارية. والواقع ان التنقيبات التي جرت في الوركاء، اور، نفر، سبار، وماري قد كشفت عن بقايا ابنية المدارس في منطقة المعبد واخرى في القصر الملكي. ويرجع تاريخ اقدم الآثار التي تثبت وجود المدارس في العراق القديم الى ماقبل (4500) سنة من الآن. وكان هدف المدارس هو ـ حسبما تشير اليه النصوص الكتابية المسمارية - التعليم المهني لتخريج واعداد رجال وموظفين لأمور المعبد والدولة والقصر الملكي. هذا وحيث ان الموسيقى كانت جزءا مهما من الشعائر وطقوس العبادة في العراق القديم ، لذا نرى ان الموسيقى قد دخلت الى جدول الدروس في المدارس الدينية الخاصة باعداد الكهنة ورجال المعبد، لتخريج موسيقيين ومنشدين متخصصين في الموسيقى الدينية، وهو امر مشابه لما هو موجود في الوقت الحاضر من اعداد الموسيقى تستغرق 3 سنوات.

 

المرأة والموسيقى

وأكد المؤلف على أن المرأة والموسيقى في العراق القديم ، وفي ضوء الشواهد الاثرية والنصوص المسمارية ، موضوع لم يعالجه الباحثون الاجانب وغيرهم بعد. ومن ثم قدم المؤلف خلاصة لما توصل اليه بحثه في هذا الموضوع مشيرا الى  ان الشواهد الاثرية التي تثبت ان المرأة في العراق القديم قد مارست الموسيقى والغناء هي :

1-   الهياكل العظمية للموسيقيات اللواتي جرى دفنهن مع آلاتهن الموسيقية في المقبرة الملكية في اور والتي يرجع تاريخها الى ماقبل 4400 سنة من الآن.

2-   الكتابات المسمارية التي زودتنا بأسماء الموسيقيات والمغنيات العراقيات منذ عصر فجر السلالات الثاني قبل 4580 سنة من الآن وكيف انهن قد شغلن المناصب الموسيقية الرسمية نفسها التي كان يحتلها الرجل.

3-   رسوم الحياة الموسيقية المنقوشة والمنحوتة على مختلف انواع الآثار من اختام ودمى ومنحوتات وغير ذلك حيث تشاهد المرأة وهي تعزف لمفردها او مع الرجل او مع المجموعة في مناسبات مختلفة وذلك قبل 4650 سنة من الآن.

 

الرياضة والموسيقى

ذكر الملف أن الباحثون الاجانب لم يعالجوا بعد موضوع الرياضة والموسيقى في العراق القديم في ضوء الشواهد الاثرية المنتشرة في بعض المتاحف العالمية ، مشيرا الى ان المنحوتات السومرية التي عثر عليها في التنقيبات التي جرت في بعض المدن والمواقع الاثرية في العراق ، قد اثبتت استعمال سكان العراق القدامى للموسيقى في مصاحبة بعض الالعاب الرياضية قبل 4550 سنة من الآن. والواقع ان متابعاتنا ودراساتنا ـ والكلام للمؤلف ـ لآثار الحضارات المختلفة في العالم القديم والخاصة بالالعاب الرياضية ، قد قادتنا الى تكوين رأي يقول ان اول واقدم شاهد اثري يثبت استعمال الموسيقى في الالعاب الرياضية هو اثر سومري يرجع تاريخه الى ماقبل 4550 سنة من الآن. ففي موقع خفاجي (منطقة ديالى) الكائن على بعد نحو 7 اميال شرق بغداد، عثر على لوح نذري من حجر الكلس اصبح من حصة البعثة الامريكية التي نقبت في منطقة ديالى ونقلت هذا الاثر الى متحف المعهد الشرقي التابع لجامعة شيكاغو. لقد نحتت على هذا اللوح الحجري وبطريقة النحت البارز، ثلاثة افاريز يفصل بين كل واحد منها خط مستقيم بارز. ويمثل موضوع هذا الاثر السومري مشهد وليمة واحتفال بحضور الملك وزوجته. وكان من جملة هذا الاحتفال القيام بالمصارعة على انغام الموسيقى والغناء كما يتضح ذلك مما هو منحوت على الافريز الاسفل حيث نشاهد الى يسار رجلا واقفا وهو يعزف وجها لوجه المغني الذي اثنى كلتا يديه الى اعلى ويقف خلف المغني وباتجاه معاكس له رجل اخر يحمل بيده اليسرى عصا طويلة اما يده اليمنى فقد وضعها على صدره. وامام هذا الشخص توجد بقايا قليلة لشخص رابع حيث يوجد كسر في هذا الاثر الذي تنقصه قطعة صغيرة في الزاوية اليمنى من الاسفل.

 

الموسيقى العسكرية

أشار المؤلف الى أن المواطن العربي عندما يسمع عبارة (الموسيقى العسكرية) فإن فكره ينصرف الى آلات الموسيقى العسكرية الاوربية ، ذلك لأنه قد نشأ على حالة يرى فيها جيشه بالملابس العسكرية الاوربية وأن الالات الموسيقية التي يستعملها جيش اية دولة عربية هي آلات موسيقية اوربية كما ان الانغام والالحان التي يسمعونها ويعزفونها هي موسيقى عسكرية اوربية. هذه الحالة هي احدى الشواهد التي تثبت انقطاع المواطن العربي فكريا وروحيا عن تراثه الموسيقي القديم. واضافة الى هذا، كان خضوع الوطن العربي للحكم العثماني هو الآخر من الاسباب المباشرة لهذه الحالة لأن العثمانيين انفسهم قد اقتبسوا الموسيقى العسكرية الاوربية منذ بداية القرن الثامن عشر اي قبل خضوع الوطن العربي للاستعمار الاوربي الذي عمل على قطع صلة المواطن العربي بتاريخه وتراثه بمختلف الطرق والوسائل.

 

الموسيقى والانتصار

 كتب المؤلف أنّ الآثار السومرية التي يرجع تاريخها الى 3400 سنة من الآن  تثبت أن الموسيقى استعملت في احتفالات الانتصار على الاعداء. ففي الاثر السومري المعروف باسم (راية اور) الموجود في المتحف البريطاني والذي يوجد على هيئة صندوق بشكل منحرف، يوجد مشهدان رئيسيان للحرب والسلم. والذي يهمنا هنا من هذا الاثر ـ والكلام للمؤلف ـ هو الوجه المطعم بنقوش تمثل مشهد السلم المؤلف من 3 افاريز. ففي الافريز العلوي نشاهد الملك وهو يشرب نخب الانتصار ويشاركه في ذلك كبار القوم الذي رفعوا بايديهم اليمنى كؤوس الشراب ويقف خلفهم عازف الآلة الوترية المعروفة في اللغة البابلية باسم كناروم (بكسر الكاف وتشديد النون) وفي اللغة العربية باسم كنارة. وهذه الآلة التي يحملها العازف في هذا الاثر تشبه القيثارة الذهبية المعروضة في القاعة السومرية من المتحف العراقي ، حيث صنع الصندوق الصوتي بهيئة ثور. وتحتوي هذه الكنارة على 11 وترا مع الملاوي (المفاتيح) البارزة من حامل الاوتار العلوية. وعلى غرار القيثارة الفضية الاصلية الموجودة في المتحف البريطاني، نشاهد هنا ايضا ان الاوتار قد شدت في النصف الخلفي من حامل الاوتار وتنزل الى الاسفل حيث تتجمع في داخل الاوتار، فتحة صغيرة مثلثة الشكل وهي في الواقع فتحة صوتية تقوم بتقوية وتضخيم الصوت المنبعث من الالة اثناء العزف اي ان لها الوظيفة نفسها التي تؤديها (الشمسية) المزخرفة الموجودة في العود وبقية الآلات الوترية. وخلف العازف تقف المغنية ذات الشعر الطويل المسترسل الى الخلف. وقد عبر الفنان السومري عن حالة الثناء بان جعل فمها فقط مفتوحا ومغايرا لافواه الحاضرين.

 

الرقص والموسيقى

ذكر المؤلف إشارة الشواهد الاثرية الى ارتباط الرقص بالموسيقى منذ عصور ماقبل التاريخ. وقد نقش الفنان القديم مشاهد الرقص باعتباره الوسيلة المعبرة عن قيام الانسان القديم بالتضرع للالهة والحصول على رضاها وعطفها، وعن فرحه في المناسبات المفيدة له مثل موسم الحصاد والبذر وحلول الربيع وغير ذلك من المنالسبات التي يقدم فيها القوم رقصاتهم بمصاحبة التصفيق بالايدي وضرب الاقدام على الارض وحركة الجسم باوضاع مختلفة وقرع الآلات الموسيقية، او في المناسبات الرسمية والخاصة مثل الاعياد والانتصار والزواج.

 

  

تنبيه

 لايُسمَح لأية صحيفة ورقية او موقع ألكتروني او مدونة او موقع شخصي او صفحة تواصل اجتماعي بإعادة نشر موضوعات او صور مجلة "الموروث" من غير إدراج اسم كاتب الموضوع وكذلك اسم المجلة بصفتها مصدرا ، عملاً بضوابط الملكية الفكرية والأمانة الصحافية.