Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player

  العددان 108ـ109، شباط ،آذار2017

 
 

   مدارات

 

عبودي طنبورجي (1884- 1971) المعمار الموصلي الشهير

أ.د. ابراهيم خليل العلاف

استاذ التاريخ الحديث المتمرس - جامعة الموصل

خاص بـ "الموروث"

لمعمار الاسطى الموصلي الكبير المرحوم عبودي طنبورجي على لسان كل موصلي ليل نهار مع مضي كل هذه الفترة الزمنية التي تزيد على 75 سنة وأكثر ..إسمه ـ كما يقول الصحفي الصديق الاستاذ سامر الياس سعيد في جريدة الحدباء (الموصلية ) العدد 1292 الصادر في 10/9/2002 ـ عبد المولى جرجيس ، ولعل هذا اسمه الكنسي ، لكنه اشتهر باسمه المتداول بين الناس (عبودي طنبورجي ) ، ولد في الموصل سنة 1884 وتوفي في تموز - يوليو سنة 1971 .اشتهر في الموصل بكونه كان يبني قبب ومنائر الجوامع ولايقبض فلسا واحدا ، وعندما كانوا يقولون له لماذا يجيب :”انني اخذت حقي من صاحب البيت ” أي من الله سبحانه وتعالى .. بنى جامع السراي ورمم وكسا جامع النبي شيت بالمرمر وبنى منائر الجامع النوري الكبير والتي تكلف بها الثري الوطني الاقتصادي الموصلي المرحوم مصطفى الصابونجي .كما بنى ورمم وعمر عددا من الكنائس وخاصة في بغديدا - قرقوش . كان شيخ صنف البنائين في الموصل وكان الملك فيصل الاول ملك العراق الاسبق يعرفه ويحترمه ويشيد بجهوده وكما يقول الصديق الاستاذ سامر الياس سعيد فإن المعمار عبودي طنبورجي كان قد اسهم في بناء المحطة العالمية في بغداد الكائنة في العلاوي (محطة القطار الشهيرة ) وقد استدعي للمشاركة في البناء مع خيرة البنائين في العراق .

تذكرت المعمار عبودي طنبورجي ، وأنا أعيد قراءة كتاب الصديق الاستاذ نوزت شمدين الموسوم :(قادمون يا عتيق ) والذي صدر عن مكتبة الجيل العربي في الموصل سنة 2014 ، وهو مجموعة قصص وحكايات وفيه حكاية بعنوان : (عبودي الطنبورجي ومنارة الحدباء ) . وفي هذه الحكاية يروي قصة حفيد لعبودي او قريب له اسمه جرجيس طنبورجي تحدث عن جده عبودي طنبورجي الذي رمم منارة الحدباء في ثلاثينيات القرن الفائت ، وراح جرجيس يروي كيف ان نوري الدين زنكي صاحب الموصل الذي بنيت في عهده منارة الحدباء والجامع الكبير سنة 1227 ميلادية وبتكلفة بلغت ستين الف دينار من الذهب قد أمر بأن يبنى الجامع بطابع اتابكي يتميز بالاعمدة الرخامية المنقوشة بالزخارف وانقسم الجامع على اثرها الى مربعات حمل احدها قبة الجامع وقد انشئت المئذنة في الجزء الشمالي الغربي من الجامع بارتفاع يبلغ 45،49 مترا على قاعدتها المكعبة تغطيها زخارف هندسية اسلامية ويسندها من الداخل سُلَّمان كعمودين فقريين يلتقيان في الاعلى للمحافظة على تماسكها وتيبس الجص والرياح الغربية التي تهب على الموصل هي التي جعلت المنارة تميل صوب الشرق بمعنى ان البناء هو من ارادها ان تكون مائلة منسابة مع الرياح .

عبودي طنبورجي رمم المنارة سنة 1939 . قال جرجيس طنبورجي - على لسان السيد نوزت شمدين ـ :” كان جدي عبودي طنبورجي واحدا من أهم البنائين في المنطقة الشمالية الى جانب كل من نوري غزالة وفتوحي قاقو ويوسف فندقلي واسطيفان عيسى ووبهنام جردق وعبو السمعان وخضر ويوسف العبيدي وفتوحي قاقو ونعوم حنا الاسود . وقد وقع الاختيار على عبودي طنبورجي لترميم فجوة في جدار المئذنة كانت تهدد بانهيارها ” .

وراح الاستاذ القاص نوزت شمدين يتابع تفاصيل ما كشفه حفيد عبودي طنبورجي وكيف انه يملك أوراقا قديمة قال بأنها مذكرات جده عبودي طنبورجي ، وكانت ملفوفة على شكل اسطوانة وفيها ان متصرف الموصل (كان الاستاذ تحسين علي 1939-1941 ) سنة 1939 طلب منه ترميم المنارة واول شيء قام به هو زيارة مكان العمل من داخل المنارة ووجد ان الترميم يجب ان يتم من خارج المنارة لذلك ارتقى اسطح عدد من البيوت المجاورة عدة مرات ومن اعلى المنارة درس حالة الرياح وإتجاه الشمس والحالة الجوية وذرع المسافة بين حوض المنارة والفجوة فوجدها حوالي عشرين ذراعا .

وبدأ المعمار عبودي طنبورجي بإعداد المستلزمات والمعدات المطلوبة لعملية البنا ومنها صندوق خشبي كبير بطول ستة اقدام وعرض ثلاثة اقدام وارتفاع قدمين ومسامير حديد ذوات رأس كروي وربط الصندوق بثمانية حبال غليظة من زواياه الاربع وكان طول الحبل اكثر من 25 ذراعا وجعل في كل ذراع عقدة مع مذراة وجرار وجص سريع الجفاف وحجارة جصية قديمة .واضاف ان المعمار عبودي طنبورجي قال بأنه وزن نفسه في ميزان ووضع حجر صمان بنفس وزنه في الصندوق الخشبي ثم صعد الى حوض المنارة مع المستلزمات التي هيأها مع صفائح ملساء وضعها على حوض المنارة ليسهل انزلاق الحبال عليها دون ان تتخدش او تتآكل وساعده في هذه العملية أربعة بنائين وأمسكوا بحبلين مشدودين الى زاويتين في الصندوق ، وانزلوه ببطء الى وسط المنارة ، وهكذا وصل أمام الفجوة وقام بتنظيفها بالمذراة من اعشاش الطيور والحجارة ورششها بالماء من الجرار ثم بد البناء بمزج الجص بالماء واستعمل الحجارة التي كانت معه في الصندوق .

يروي جرجيس طنبورجي ايضا ان متصرف الموصل حضر الى المكان يرافقه موظفون من دائرة الاثار ودائرة الاوقاف من بغداد وصعد الناس الى أسطح المنازل المجاورة ليراقبوا ما كان يفعله المعمار عبودي طنبورجي ومساعدوه .

وختم جرجيس طنبورجي كلامه بالقول ان المتصرف أراد أن يكرم المعمار عبودي طنبورجي بمبلغ من المال لكنه رفض وقال قولته الشهيرة عندما يعمر المساجد والجوامع والكنائس :” انه سيستلم أجوره من صاحب البيت ويقصد الجامع بيت الله وانه يريد اجره من الله ورفع جرجيس يديه بإتجاه السقف :”كانوا من اهل الله ..مسيحيين ومسلمين إخوة لا فرق بينهم ” .

هذا هو عبودي طنبورجي المعمار العراقي الموصلي المتميز ، وها هو التاريخ يروي لنا قصته كاملة غير منقوصة وكل ذلك بسبب ما تركه من بصمة في جدار هذا الوطن المجد له ، والرحمة له .

 

تنبيه

 لايُسمَح لأية صحيفة ورقية او موقع ألكتروني او مدونة او موقع شخصي او صفحة تواصل اجتماعي بإعادة نشر موضوعات او صور مجلة "الموروث" من غير إدراج اسم كاتب الموضوع وكذلك اسم المجلة بصفتها مصدرا ، عملاً بضوابط الملكية الفكرية والأمانة الصحافية.