Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player

 العددان112-113,حزيران ,تموز 2017

 
 

   مدارات

حروف وذاكرة .. البيوت التي كانت

 

برهان المفتي

 

حين نراجع في ذاكرتنا تصاميم البيوت العراقية قبل نصف قرن ، فإنتا بذلك نقدر أن تقرأ المجتمع العراقي حينذاك ، فالعمارة هي هوية المجتمع والتعبير الأصدق عن نفسية الناس في المجتمع.

في تلك السنوات، كانت الحديقة هي الجزء الأوسع من البيت ، يحيطها جدار لا علو فيه، بل جدار فيه فراغات لأنابيب حديدية تعطي الجالس في الحديقة ألفة مع الشارع، يعرف ما يجري فيه، يسلم المار في الشارع على جاره وصديقه الجالس في الحديقة، وذاك يدعوه لمشاركته وعائلته في جلسة شاي العصر في الحديقة ، هكذا كانت البيوت في مدننا.

وفي كركوك، كانت البيوت كذلك، قبل دخول سنوات السبعينيات حين بدأ الخوف مع ( أبو طُبر ) ذلك الذي أرعب الجميع بجرائمه، فأصبحت الجدران عالية، وصارت الحدائق مخفية وأصبح الجالس في تلك الحدائق معزولاً عن محيطه - الشارع والزقاق ، وقد بقيت منطقة عرفة في كركوك محتفظة بألفة بيوتها وناسها مع الشارع ، وذلك بسبب طبيعة تصميم تلك البيوت والتي صممتها الجهات الإنگليزية نسخة عن الحياة والبيوت الإنگليزية ، لكي لا يشعر المهندس والعامل الإنگليزي الذي يعمل في شركة نفط العراق بأي حنين لإنگلترا ، حتى ملعب گولف وپولو في عرفة أول وأجمل ملاعب الگولف وپولو في المنطقة ، ولم تكن لتلك البيوت جدران بل سياج خشبي ارتفاعه نصف متر تقريباً، كما كانت لساكني تلك البيوت في عرفة طبيعة خاصة كونهم من موظفي ومهندسي نفط الشمال ، وهو أفضل مكان عمل ربما في العراق كله قبل نصف قرن ، بسبب نظامها الأنگليزي والأتيكيت الاجتماعي الذي كانوا يحرصون عليه.

أما بيوت المناطق الأخرى كصارى كهية وشاطرلو وألماس وتسعين وطريق بغداد، فقد تأثرت بالرعب السبعيني، فأصبحت جدرانها عالية، لذلك، كنا نذهب في العيد بمجاميع شبابية في سنوات المراهقة إلى منطقة عرفة لكي نشعر بألفة البيوت مع الشارع ، ولم يبخل علينا ساكنو تلك البيوت برد السلام والتحية ولا بابتسامة رقيقة كنا نتسلمها من جالسة على أرجوحة في الحديقة، فنسرع بتلك الإبتسامة كأنها هي العيد كله.

ثم تقلصت مساحة الحديقة المنزلية في البيوت العراقية، ففي سنوات الحرب العراقية الإيرانية صار الناس يحولونها إلى ملاجىء بحسب أوامر الجهات الرسمية وإجبار الناس على بناء الملاجىء في البيوت الجديدة أو تحويل حدائقهم إلى ملاجىء، أما في البيوت التي كان فيها سرداب في بنائها الأساسي، فقد بقيت حدائقها كما كانت. ثم اختفت الحدائق حين تحولت إلى مشتملات ( بيوت ملحقة صغيرة ) لزواج الأبناء بعد أن صار بناء مسكن خاص مستحيلاً، وبذلك فقدت البيوت العراقية بصمتها التصميمية ، فتلك المشتملات في معظمها لم تتوفر فيها معايير العمارة بل يبنيها مقاول بحسب معايير السوق . وحين بدأت المشتملات تأكل الحدائق المنزلية ، ومع ارتفاع جدران البيوت، فقدت المدن ألفتها مع ساكنيها ، وفقدت المدن العراقية هويتها التي كانت في بيوتها، وأصبحت البيوت العراقية صناديق لا توفر جمالية للمدينة ولا راحة لساكنيها، حتى تلك البيوت صارت في سنواتنا التعبة ، في خلاف مع ساكنيها الذين غادروها بين مهاجر ولاجىء ونازح.

تنبيه

 لايُسمَح لأية صحيفة ورقية او موقع ألكتروني او مدونة او موقع شخصي او صفحة تواصل اجتماعي بإعادة نشر موضوعات او صور مجلة "الموروث" من غير إدراج اسم كاتب الموضوع وكذلك اسم المجلة بصفتها مصدرا ، عملاً بضوابط الملكية الفكرية والأمانة الصحافية.